لماذا يرفض نتنياهو
التفاوض مع سوريا ؟
بقلم رنده حيدر-جريدة النهار
يبدو أن كل المساعي التي قام بها الأميركيون والأوروبيون من أجل إقناع حكومة بنيامين نتنياهو باستئناف المفاوضات غير المباشرة مع سوريا قد باءت بالفشل، بسبب الاستبعاد الكامل من جانب الحكومة الاسرائيلية اليمينية الحالية القبول بالإنسحاب الكامل من الجولان كثمن للتسوية السلمية مع سوريا. وهكذا يبدو جلياً أن التغير الايجابي في الموقفين الأميركي والأوروبي من سوريا لم يستطع حتى الآن أن يُحدث تغيراً موازياً في الموقف الإسرائيلي منها.
شهدت العلاقات الأميركية -السورية تحسناً ملحوظاً منذ مجيء الرئيس باراك أوباما الى سدة الرئاسة، انعكس في عودة قنوات الحوار بين البلدين، وتعيين سفير أميركي جديد في دمشق. ومن بين الأسباب المباشرة لهذا التغير الرغبة الأميركية في تحييد سوريا قبل انسحابها المرتقب من العراق، بالإضافة الى الاقتناع الاميركي المتجدد بأن احتواء سوريا عبر التحاور معها، سيساهم في اخراجها من المحور الإيراني، مما سيشكل خطوة مهمة في المواجهة الدائرة ضد إيران. فالإدارة الحالية للرئيس باراك أوباما مقتنعة بأن التسوية السلمية للنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، وعودة المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا، ستمهدان الطريق للمواجهة المقبلة مع إيران. ويبدو أن الرئيس باراك أوباما بحث الموضوع السوري مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو خلال زيارته الأخيرة الى واشنطن، ولكن من دون التوصل الى نتيجة قاطعة.
من جهة اخرى قامت دول الإتحاد الأوروبي بأكثر من مسعى من اجل حمل حكومة نتنياهو على استئناف الحوار غير المباشر مع سوريا. لكن وبحسب تقرير فرنسي حديث نشرته الصحف الإسرائيلية ووضعه مستشارا الرئيس الفرنسي لشؤون الشرق الأوسط نيكولا غالا وباتريس باولي، بعد زيارة قاما بها الى إسرائيل منتصف الشهر الماضي والتقيا خلالها دان مريدور وزير الشؤون الاستخباراتية في الحكومة من حزب الليكود، وعوزي أراد رئيس مجلس الأمن القومي، لا يبدو أن إسرائيل مستعدة في الفترة الحالية لإستئناف المفاوضات مع سوريا لسببين الأول حالة الشك وعدم الثقة التي تسيطر على الجانبين؛ أما الثاني، فهو عدم استعداد إسرائيل للتنازل عن هضبة الجولان في الوقت الحاضر.
بإختصار، هناك فجوة واسعة تفصل بين المقاربة الإسرائيلية لموضوع المفاوضات مع سوريا والمقاربتين الأميركية والأوروبية. وعلى الرغم من الانقسام الإسرائيلي في الموقف من المفاوضات غير المباشرة مع سوريا بين وزارة الدفاع ورئاسة الأركان للجيش الإسرائيلي المؤيدتين لها؛ ورئاسة الحكومة ووزارة الخارجية الرافضتين؛ فثمة شبه إجماع إسرائيلي على رفض الموقف الأميركي الحالي الضاغط على إسرائيل في اتجاه التسوية السلمية مع الفلسطينيين ومع سوريا بذريعة اضعاف إيران. كما هناك شبه إجماع على رفض الربط الذي أقامه الأميركيون بين مشكلة السلاح النووي الإيراني والتسوية السلمية في الشرق الأوسط، وهم يرون في هذا المسعى محاولة أميركية للتهرب من المواجهة مع إيران على حسابهم.
وإذا كان الموقف الإسرائيلي من سوريا لم يتغير رغم التطورات التي طرأت على الموقف الدولي منها، ولاقتناع إسرائيل بأن العملية التفاوضية لن تغير شيئاً من التحالف الوثيق الذي يجمع بين سوريا وإيران و"حزب الله"؛ فإن الباعث الحقيقي لرفض حكومة نتنياهو أي بحث في عودة المفاوضات غير المباشرة مع سوريا لا يعود الى ذلك فقط، وإنما الى رفض البحث في الإنسحاب الشامل من الجولان واعتباره تنازلاً إسرائيلياً. فعلى سبيل المثال وعلى الرغم من اقتناع الوزير مريدور بضرورة التحاور مع السوريين من دون شروط مسبقة، وأن سوريا دولة تختلف عن "حماس" و"حزب الله"، وأن الاتفاق معها سيحدث "تغييراً تاريخياً كبيراً في الشرق الأوسط"، فإننا نجده من جهة أخرى يعارض الانسحاب من الهضبة ويعتبر ذلك"مطلباً إقليمياً صعباً جداً". أما عوزي أراد فيقترح بديلاً من ذلك هو تبادل أراض بين سوريا والأردن ولبنان وإسرائيل، من دون ان يوضح طبيعة هذا التبادل، ولكن الواضح رفضه فكرة الإنسحاب الشامل من الجولان مقابل السلام الشامل مع سوريا.
منذ أعلنت إسرائيل ضم الجولان نهاية عام 1981، وضعت الحكومات الإسرائيلية المتلاحقة قيوداً قانونية ثقيلة على أي قرار يتناول مستقبل الهضبة، وهذه ذريعة كافية لتبرير رفض الانسحاب من الهضبة وتالياً الحوار مع سوريا.